العيني
41
عمدة القاري
الكلب ثلاثاً فعلاً وقولاً مرفوعاً وموقوفاً من طريقين : الأول : أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال : ( إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات ) ، قال الشيخ تقي الدين في الإمام : هذا إسناد صحيح . الطريق الثاني : أخرجه ابن عدي في ( الكامل ) عن الحسين بن علي الكرابيسي ، قال : حدثنا إسحاق الأزرق ، حدثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات ) ، ثم أخرجه عن عمر بن شبة أيضاً : حدثنا إسحاق الأزرق به موقوفاً ، ولم يرفعه غير الكرابيسي . قلت : قال البيهقي : تفرد به عبد الملك من أصحاب عطاء ، ثم عطاء من أصحاب أبي هريرة والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه : سبع مرات ، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث ، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف الثقات ، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج ولم يحتج به البخاري في ( صحيحه ) : قلت : عبد الملك أخرج له مسلم في صحيحه ، وقال أحمد والثوري : هو من الحفاظ ، وعن الثوري : هو ثقة فقيه متقن ، وقال أحمد بن عبد الله : ثقة ثبت في الحديث ، ويقال : كان الثوري يسميه الميزان . وأما الكرابيسي فقد قال : ابن عدي قال لنا : أحمد بن الحسن الكرابيسي يسأل منه والكرابيسي له كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس في المسائل وذكر فيها أخباراً كثيرة ، وكان حافظاً لها ، ولم أجد له حديثاً منكراً ، والذي حمل عليه أحمد بن حنبل فإنما هو من أجل اللفظ بالقرآن . فأما في الحديث فلم أر به بأساً . واما الطحاوي فقال ، بعد أن روى الموقوف عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة : فثبت بذلك نسخ السبع لأن أبا هريرة هو راوي السبع ، والراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها لا يبقى حجة ، لأن الصحابي لا يحل له أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ، ويفتي أو يعمل بخلافة إذ تسقط به عدالته ، ولا تقبل روايته ، وإنا نحسن الظن بأبي هريرة ، فدل على نسخ ما رواه . وقد عارض هذا القائل بأن الحنفية خالفوا ظاهر هذا الحديث بقوله : يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاد ندبية السبع لا وجوبها ، أو كان نسي ما رواه ، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ ، ورد بأن هذا إساءة الظن بابي هريرة ، والاحتمال الناشئ من غير دليل لا يعتد به ، وادعاء الطحاوي النسخ مبرهن بما رواه بإسناده عن ابن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة ، فقيل له : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : كل حديث أبي هريرة عن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الطحاوي : ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخاً لكان ما روي عن عبد الله بن مغفل في ذلك من النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أولى مما رواه أبو هريرة ، لأنه زاد عليه : ( وعفروه الثامنة بالتراب ) ، والزائد أولى من الناقص ، وكان ينبغي لهذا المخالف أن يقول لا يطهر إلاَّ بأن يغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب ، ليأخذ بالحديثين جميعاً . فإن ترك حديث ابن مغفل فقد لزمه ما لزمه خصمه في ترك السبع ، ومع هذا لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقاً ، قيل : إنه منسوخ . فإن عارض هذا القائل بما قاله البيهقي بأن أبا هريرة أحفظ من روى في دهره ، فروايته أولى . أجيب : بالمنع ، بل رواية ابن المغفل أولى لأنه أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ، قال الحسن البصري : إلينا ، يفقهون الناس ، وهو من أصحاب الشجرة وهو أفقه من أبي هريرة ، والأخذ بروايته أحوط ، ولهذا ذهب إليه الحسن البصري ، وحديثه هذا أخرجه ابن منده من طريق شعبة ، وقال : اسناده مجمع على صحته ، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وروي عن أبي هريرة : ( إذا ولغ السنور في الإناء يغسل سبع مرات ) ، ولم يعملوا به ، فكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث ، فإن عارض هذا القائل بأنه ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعاً ، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها ، من حيث الإسناد ومن حيث النظر . اما النظر فظاهر ، واما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن ابن سيرين عنه ، وهذا من أصح الأسانيد . واما المخالفة فمن رواية عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عنه ، وهو دون الأول في القوة بكثير . أجيب : بأن قوله ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعاً يحتاج إلى البيان ، ومجرد الدعوى لا تسمع ، ولئن سلمنا ذلك فقد يحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده ، فلما ظهر أفتى بالثلاث . وأما دعوى الرجحان فغير صحيحه ، لا من حيث النظر ولا من حيث قوة الإسناد ، لأن رجال كل منهما رجال الصحيح . كما بيناه عن قريب ، وأما من حيث النظر فإن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب